غَريباً تسافِرْ
غَريباً تعيشُ هُنا
ولا فرقَ بيْنَ
يداهِمك الجوعُ في حِضْنِ بيتٍ يضنُّ
وحضنٍ تبَرَّجُ في البعْدِ مثلَ السَّرابْ
غريباً وقفْتَ على بابِ بيتٍ
تربّيتَ فيهِ
تلمْلِمُ عنْ خدِّهِ الذِّكرياتْ
وتمسَحُ آخرَ حَرفٍ كتبتَ
وتمضي
يخدِّرُكَ الحلْمُ حينَ تنوءُ بهَمِّكْ
ويسرقُكَ الوَهمُ في صَدَفِ الأُمنياتِ
فتسحَبُ خطوَكَ فوقَ
لهيبِ الدُّروبِ التي لا تعيدُ
وقلبُكَ يقطُرُ دَمعاً وَدَم
غَريباً وَقفْتَ تَشدُّ أخاكَ الصَّغيرَ لصدرِكْ
تخاطِبُ فيهِ دَماً واحِدا
وصَدْراً تربيتُما فوقَهُ, واحِدا
وجَذْراً تقاسمْتُما مِنْهُ نُسْغَ الحَياةْ
وَأنتَ تشدُّ أخاك تحِسُّ يديهِ
وراءَكَ ـ رُغم انصهارِكَ في حبِّهِ ـ تَنكَأان
جِراحاتِ غُرَبِتكَ الغافِيَةْ
غَريباً مَددْتَ يديْكَ لِوردٍ زَرَعْتَ
تُداعِبُ خدَّهْ
وَتبحِرُ بينَ غَمائِمِ عِطْرِهْ
وَتسألُهُ حينَ كانْ
إذا تعتلي هامَهُ الرِّيحُ, كيفَ
يُذيعُ الشَّذا والرَّحيقَ
وكيفَ يمزِّقُ لوْنَ الظَّلامِ ـ إذا الليلُ خيَّمَ ـ بالأُقْحَوانْ
غَريباً وقفْتَ وكانتْ يدَاكَ
تغوصانِ بينَ حرابٍ
منَ الشّوكِ فوقَ أديمٍ
تقفَّعَ مثلَ ترابٍ شواهُ الهجيرْ
فَلا الخَدُّ خدُّ
وَلا العِطرُ عِطرٌ, ولا الوَردُ وَردُ
وأنتَ الغريبُ بعيداً, بعيداً
وأنتَ الغريبُ على حضْنِ أُمِّهْ
وغُربتُهُ لا تحدُّ |