مِنْ أينَ أبتدئُ الشهادةَ
والغبارُ يشتّتُ الرّؤيا،
فتنعدمُ السكينةْ..
مِنْ أينَ أرتجلُ القصائدَ
والعويلُ نشيجُها الباقي،
وضحكتُها الحزينةْ..
تأتي العواصفُ
من أمامي،
والرياحُ تحتُّني..،
وأنا على رمل الطريقِ
موزّعُ الأشلاءِ
تأكلني
القوارضُ من عصورْ..
تأتي الزوابعُ
كلَّ يومٍ من هنا،
وأنا على موجِ البحارِ
كعنفِ هذا الصخر
تختفي المياهُ
بمدّها..،
وبجزرها..
تأتي المعاركُ
والهزائمُ شائكاتْ
وأنا أُفَوْرسُ خيبتي
متأبّطاً رُمْحَ العروبةِ
راكباً متن البسوسِ
مُجَيِّشاً كلَّ العواصمِ
في ركابي.. مُعلناً:
النصرُ آتْ..
النصرُ آتْ..
فإذا الهزيمةُ
تمتطي وجهي
وترميني إلى ضعفي
تُحوّلني إلى سيفٍ
يحاربُ
كلَّ أشباحِ الهواءْ..
من أينَ
تأتيني الهزائمُ كلُّها؟
بل كيفَ تولمني الضيّاعْ؟
تعبَ الضياعُ
من الضيّاعْ..
وأنا أصارعُ
ما لديَّ من الرؤى
أو ما لديَّ من الحصادْ..
من ألفِ حزنٍ
كانَ لي وجهٌ،
ولي عينانِ
من ألق العصورِ،
وقامةٌ ممشوقةُ الأحلامِ
تعرفُها البيادرُ والطيورُ..
من ألفِ حزنٍ
كان لي وطنٌ
وعاصمةٌ تتوّجُها
الدوالي.. والبلابلُ
والنسورُ..
من ألفِ حزنٍ
كان لي كفٌّ مُوَحَّدةٌ
وساقيةٌ موزعةُ
الفروعِ بضفّتينِ،
وكان لي عرشٌ
تباركُهُ الجهاتْ..
من ألفِ حزنٍ
والهزائم شائكاتٌ
قاتلاتٌ.. قاتلاتْ..
وأنا أحدّقُ
في البلادِ
ولا بلادٌ.. في البلادْ..
حينَ اغتصابُ الروحِ
من جسدٍ
تُعمِّرُهُ الحياةْ..
حينَ امتصاصُ الماءِ
من غيمٍ
يغادرُهُ المطرْ..
حينَ المسيحُ
يئنُّ في مَهْدِ المسيحْ..
حينَ المآذنُ تُستباحُ
وصوتُ نخوتِنا كسيحْ..
النهرُ ضاقَ بضفتيهْ
أحلامُ قلبي تندثرْ
يأتي الرصاصُ
إليكَ من كلِّ الجهاتِ
وأنتَ تُبعثُ
من رفاتكَ.. يا وطنْ
تعبَ الوطنْ
نامَ الوطنْ
وطنٌ.. وطنْ
سُلِبَ الوطنْ..
وأنا أحدّقُ في البلادِ
ولا بلادٌ.. في البلادْ..
البحرُ قدّامي،
وقدّامي العواصمُ كلُّها
وحقيبتي معمورةُ الأحزانِ
تسبقُني إليكْ..
وسفينةُ الترحالِ
عند الشاطئِ المهجورِ
راسيةٌ
ستأخذُني إلى موتٍ بطيءْ..
أُلقي على وطني التحيةَ
لا ألوّحُ.. لا أودِّعْ
وبقيةٌ من دمعةٍ حرّى
ستُسْفكُ بعد حينْ..
البحرُ قدّامي
يُناديني،
فتُرفعُ في سماءِ التيهِ
أشرعةُ الرحيلْ..
أرمي على وطني السلامَ
ومهجتي ثكلى ضريحةْ..
في جَعبتي
حبّاتُ رملٍ
من ثرى وطني
وأحلامي الجريحةْ..
في جَعبتي
الناقوسُ يُقرعُ
والمآذنُ.. والشظايا..
في جَعبتي
أشلاءُ بلدتنا
دمُ البستانِ
حسراتُ الصبايا..
في جَعبتي
رأسي،
وقلبي،
والوصايا..
ودمٌ...
وجثمانٌ مُسجّى
ألفُ وجهٍ ساخرٍ
مُتَحَطِّمٍ
فوقَ المرايا..
أمتاحُ مَتْنَ البحرِ
تأتيني العرائسُ
شاحباتْ..
غزّةْ..
أريحا..
كرمُ يافا..
طولكرمُ،
وبقيةُ الموتِ المعتّقِ
في الدِّنانْ..
جِنّينُ..،
والقدسُ الشريفُ
وبعضُ
أقبيةٍ مكسرةٍ
على
كتفِ
الضفافْ..
البحرُ جلادٌ
يديرُ السوطَ
ينخرُ في عظامي..
وأنا بلا وطنٍ
أُباعُ..،
وأشترى
فيما تبقى
من حُطامي..
أرنو..
أصيحُ..
وأستغيثُ
ولا بلادٌ..
في البلادْ..