1-
كنتُ طِفلاً لمَّا أَمُرَّ بِبحرِ التجاريبِ
أوْ وَخزةِ الكهرباءِ،
وَما كانَ في خافقي جَمرةُ العشقِ
تُلهِبُ فِيَّ الشَرايينَ،
تَدفعُني باتِّجاهِ السَماءِ.
كنتُ طفلاً إذا ما مررْتُ على بيْتِ
جارٍ لنا، في الطريقِ المُؤدِّي
إلى المدرسهْ
تَلسَعُني رَغبةٌ في سَماعِ صَوْتٍ أَبَحَّ،
الفتاةُ التي رَسمَتْ هذهِ الدربَ،
وَاشَّاغلَتْ بالحليب الصَباحيِّ،
وَالتبغِ لِلوالدِ الكَهْلِ،
كُلَّ الذرائعِ، كانت تُسيِّرُها في طريقي.
وَكلَّ الدقائقِ تعرفُها، خُطوتي
وَشهيقاً تُرجِّعُ حَنجَرتي.
تُفاجئُني وَأنا واثقٌ مِن لقاءِ
الصباحِ الجميلِ، بِقامتها، يَدِها،
رَبْطةِ الشَعْرِ
كُحْلَتُها التي رسمَتْها كَما الطفلُ
يَرسمُ تلكَ الخطوطَ ولا يعرفُ المسأَلَهْ.
-أأنْتَ وفي كل يومٍ أراكَ!؟
وَتضحكُ، مِنْ صُدفةٍ رَسَمَتْها
مِراراً على الوقتِ.
-أنتِ.. وهذي الحقيبةُ والدرسُ
هذا الصباحُ الحليبُ...
ويا... فِتنتي في صَباحي.
وَأَخْجَلُ من جُرأةٍ دَفَعَتنْي
وَتبسُمُ مَشغوفةً بالحروفِ، وَتَشْهقُ،
يا... يا سماءَ الصَباحاتِ ذوبي.
وَأبعُدُ في الدربِ، أَبْعُدُ
تلكَ الفتاةُ التي كَبُرَتْ، وَادَّاخَلَتْ
بهمومِ الولاداتِ والزوجِ،
وَالوقتُ هذا الرصاصْ.
-2-
وَحينَ رأيْتُ القوامَ الجديدَ يُشاكسُني،
مَرَّةً بالكتابِ، وأُخرى بِبعضِ القُصاصاتِ
فيها كلامٌ عن الطيْرِ والزهرِ
وَالسَرْوِ والسنديانْ.
فَأَدخُلُ ذاتي وَأخرجُ منها جديداً
أُعِدُّ المَسافةَ لِلرقْصِ،
أَحملُ صَدْري وبعضَ القصيدِ البِدائيِّ.
سيِّدتي، إنَّني شاعرٌ أَعجنُ الحَرْفَ
أَزرعُهُ فُستُقاً وَخُزامى
وَأُمطِرُ هذا الأريجْ..
وَتضحكُ، تَضحَكُ.. حتَّى لأَحْسَبُ نَفسيَ
في عالَمِ الجِنِّ أَسبَحُ
بيْنَ الأثيرِ وبينَ الأثيرْ.
-3-
وطارَ بيَ الوقتُ، أَلْقى بِروحي
على بابها الصعْبِ، هذا الذي
كانَ يَحرسُهُ أُخطبوطٌ، وَجِنُّ سُليمانَ
وَالمَلِكُ البابِليُّ الغَوِيُّ،
وَأنا مُفْرَدٌ، لا سِلاحُ، وَلا حكمةً لَقَّنَتْني
البداياتُ، يا \"سينُ\"
وَحينَ خُطاها تَمرُّ على الدربِ
كنتُ أرى العُشْبَ يَنبتُ، والأقحوانَ،
وَزهرٌ من الغيبِ يأتي جديدٌ
كَما رُؤيَةٌ صَيَّرَتْها نصوصُ التَصوُّفِ
يا \"سِينُ\".
في غرفةِ الدرسِ كُنّا معاً،
وَأنا سادِرٌ أُلقِحُ الغيْمَ طقْساً
مِنَ الما وراءِ، وَأمطارَ لا تنتهي،
وَسنونو تُسافرُ في أُفقها لا تؤوُبُ،
وَكانَتْ تُكَلِّلُني، كُلُّ جارحةٍ، لَفْتَةٍ
عَندليبُ.
عَيْنُها التي ضاعَ \"أُوليسُ\" فيها على
البحرِ، خُلجانُها مَعْبَدٌ لا يغيب.
زُرقةُ البحرِ وَالغيْبُ، والخنجرُ الفَذُّ
يَطغى وَيُغرَسُ بيْنَ الترائبِ،
إذْما الرموشُ الكسيراتُ غَطَّتْ بحورَ
اشتياقي، وضاقَ الغروبُ.
يا إلهي، وَكنتُ أسحَبُ نَفسي
ضارعاً للإلهِ حيناً، إليْها أحايينَ،
أنسى الزمانَ، المكانَ، البداياتِ،
أُمِّي، وأنسى اللُغهْ...
أُسافرُ في \"السينِ\"، كلُّ المضائقِ
كانَتْ أمامي وَخَلْفي، فَأنشجُ..
وحينَ وَلَمْ تَبْقَ إلاَّ الحروفُ
وسيلةَ وَصْلٍ، مَجازٍ، أُرجِّي بها
النَفْسَ
كانَ القصيدُ الذي خَطَّهُ القلبُ
مِنْ حِبرهِ الخَاصِ،
هَذي الخصوصيَّةُ المُتَرعَهْ، بَيْنَ نفْسٍ
مَضَتْ في الطريقِ إلى غَيْبِها،
تَخْلَعُ الثَوْبَ، وَالثوبَ، والثوبَ،
حتّى إذا ما تصفَّتْ وَلمْ يَبْقَ إلاّ
الحِذاءُ، وَقدْ صاحَ بي مَنْ أَردْتُ
التَماهي بهِ،
يا فتايَ الكليمَ، هيَّا اقترِبْ حافياً،
صافياً، خالعاً كُلَّ شَكْلٍ تَردَّى على الدربِ
خافضاً رأسَكَ الجميلَ،
وَعيناكَ.. عيناكَ مُغمضتانِ
وَكانت قد اشتعلَتْ على ذُروةِ
\"السينِ\" غاباتُها وَالحروفُ
وكانَ الحريقُ الحتوفُ،
أُفاجأُ، يا \"سينُ\" باللوحِ قدْ مَزَّقَتْهُ
الأناملُ، مُطِّرِحاً في الغلافِ
وَقدْ جفَّ هذا الدَمُ.
-أأنتَ الذي قدْ كتبْتَ الرسالةَ
والشِعرَ واللوحَ.. مَنْ طَلَبَ المسأَلَهْ!؟
-وحينَ ذهبْتُ إلى الغابِ أَحرقُ نفسي،
أُصفِّي حَواسي، وأَبني خَلايايَ مِنِّي ومنْ
سَيِّدي، طوبةً، طوبةً.
أَما كنْتِ أنتِ التي أَلهمَتْني،
وأنتِ التي أجبرَتْني على البوْحِ،
أنتِ التي كَتَبَتْ ما كتبْتُ...
مَزِّقي ما كتبْتِ كما مُزِّقَتْ قَبْلُ،
وَانثُريها، انثريني،
انثري نفْسَكِ الرائعهْ
في فَضاءاتِ كُلِّ المصيرِ
الذي سَوْفَ يأتي..
فَلولاكِ، يا \"سينُ\" ماكان هذا الحريقُ
ولولاكِ، يا \"سينُ\" ما كان ذاكَ
البريقُ الشروقُ
وَلولاكِ ما كنْتُ
لولايَ ما كنُتِ
إنّا نَسيرُ...