حاشية أولى : قصيدةُ \"أمِّ حَسَنْ\"
كيفَ أَرْثي والداً أو والدهْ
وأرى نفسيَ تبكي
عالماً من ملحهِ الفقرُ،
وفيه كائناتٌ ولدتْ كي تضَّطَهدْ!
وعليَّ الآنَ أن أشربَ كأسي
بعد إيمانٍ وشكِّ...
وأرى \"أمّ حَسَنْ\"
شَيَّعَتْ، إِذْ شُيِّعتْ، كلَّ شقاءٍ وَوَهَنْ...
وأرى الرّوحَ التي تُغْلِقُ أفراحَ الجسَدْ
يهتدي فيها إلى ينبوعهِ ماءٌ،
ومن ماءٍ حياةٌ مُعْلَنَهْ!
والولاداتُ رواياتٌ، وللأرحامِ ورشاتٌ،
وما للعالمِ السفليِّ غَدْ
جاورتْه الجنُّ والأُنْسُ،
كانتْ لبياضٍ هَيْمَنَهْ....
وأنا كنتُ، وما زلتُ، الولدْ!
*
تستطيعُ الآنَ أن تهدّيني \"أمُّ حَسَنْ\".
سيرةً لم ينتبهْ شعري إليها،
إِذْ مضتْ ذاهبةً أو عائدةْ...
قُمِّصَتْ في طفلةٍ من تربةٍ،
تحفظُها كفّاوليّ... كلّهُ أبْيَضُ!
من نورٍ جناحاهُ،
ومن كفيهِ تعلو مائدهْ!
وَهْوَ يدعوها إلى الحَضْرَهْ،
والغَيْبةٌ أورادٌ وسكَّرْ...
وبدنيا الحقِّ حلّتْ،
وَهْيَ ترثِي حالَها منذُ ثمانينَ سنهْ!
حَضْرَةٌ أم غَيْبَةٌ؟
والموتُ نومٌ أم وَسَنْ؟
وهل الجسمُ لباسُ الرّوحِ،
والروحُ لباسُ الجسْمِ،
والأرضُ سَكَنْ،
عرَّفتهُ شاهدهْ!
*
أهي الطالعةٌ الآنَ من البيتِ إلى القبرِ،
ومن قبرِ إلى فُلْكٍ مصغَّرْ
هاجرتْ أم هُجِرَتْ، واقتربتْ مُبْتَعِدَهْ!
قدمٌ من سكَّر تسعى بها خضراءَ،
والعكازةُ البيضاءُ تخضرُّ،
وتخضرُّ سماءٌ، طرقٌ، ضاحيةٌ...
يخضرُّ فيها حَفَدَهْ!
وأُرَاني الولدَ الضالَّ الذي لم يتغيَّرْ
مسحتْ جبهتَهُ طفلاً وشيخاً،
وَهْوَ لم يَنْمُ فيكبرْ!
وانتهتْ متعبةً أو مثخنهْ
يتجلّى وَجْدُها من داخلٍ،
والسرُّ يخفيهِ العَلَنْ!
وإذا ماكان ميقاتٌ مقدَّرْ
ما الذي يُعْنى به الشِّعْرُ
ولمّا يمتلكْ معنى الزّمَنْ؟
زمنٌ تاريخهُ الروحُ،
ومن روحٍ قماطٌ أو كَفَنْ
نبَّهَتْ فيهِ الولاداتُ رُهاناتٍ
على مستقبلٍ يصنعهُ الحاضرُ،
والماضي قواهُ هامدهْ
تغلبُ الحاضرَ... والمستقبلُ اعتاد انتظاراتٍ،
وما للغربةِ الآنَ وطنْ!
والتراثاتُ انتهَتْ فانيةً أو خالدهْ
ومن الماضي فِتَنْ!
*
لم تكنْ ساحرةً، مسحورةَ، \"أمُّ حَسَنْ\".
تنحني ذاكرةً مثقلةً أو شاردهْ
وإذا أغفتْ صَحَتْ، والشِّعْرُ أغفى،
وصَحَا في لغةٍ مغلقةٍ أو راكدهْ!
ضجَّةٌ بين تفاعيلُ، بها يَلْهُو،
فهل يَسْهو عن الموتِ،
وصمتي بعضهُ رَخْوٌ،
وصمتي بعضهُ الآخرُ لَغْوٌ،
يكسرُ الإيقاعَ أم يكسرهُ النَّحْوُ،
وفي مَرْثيةٍ لم تكتملْ يجلو هلالٌ مئذنهْ!
وتسمِّي بذرةٌ ذريّةً تنضجُ،
والبيتُ حقولٌ واعدهْ
ومن التربةِ والماءِ وجوهٌ مؤمنهْ!
*
ما الذي يحملهُ شعْرُ عجوزٍ
من رموزٍ خامدهْ
وبكفّيهِ ذبولٌ، وبعينيهِ شَجَنْ!
وَهْوَ يَرثي والداً أو والدِهْ
وهما كانا أميرينِ من القمحِ،
وينبوعينِ للرحمةِ مخلوقَيْنِ
من حلْمٍ خَطِرْ!
*
\"مريمُ النَّاعِمِ\" \"عبّاسُ خَضِرْ\"
جُبِلاَ من دهشةِ الطّينِ،
ومن مِسْكِ دمِ، من غيمةِ الصَّمْتِ،
ومن جرْحِ ندى... من دمعةٍ أوسوسنهْ...
هذه والدةٌ أم جدّةٌ يغلبُهَا النّومُ أو الصّحْوُ...
وما ضاقتْ بدنياها... فماذا تنتظِرْ؟
وابْنُها ضاقَ بدنياهُ التي ضاقتْ،
ولم يختبرِ الوقت الذي ينتجُ ما ينتجهُ دوماً...
وماذا يختبِرْ؟
*
ليكنْ صمتٌ إذاً،
وليصمتِ ابنٌ يُصْلَبُ الآنَ،
وتلكَ الجمهراتُ اكتشفتْ قبراً؛
إلى القبرِ انتمتْ أمكنةٌ أولى...
ومن أمكنةٍ أولى حضاراتٌ...
ومن تلك الحضاراتِ ولاداتٌ،
ومن تلك الولاداتِ مِحَنْ!
وعلى الأرضِ قوى فاسدةٌ أم سائدهْ
خسرتْ، إِذْ ربحتْ دوماً...
فما كان الثَّمَنْ؟
*
أستطيعُ الآنَ أن أصمتَ...
والشّعرُ وحيداً يُمْتَهْنْ!
أستطيعُ الآنَ أنْ...
لا أستطيعُ الآنَ أنْ أرثيَ غيريَ!
أستطيعُ الآنَ أن أربحَ نفسي،
وَهْيَ ضدَّيْ!
وعليَّ الآنَ أن أتّهمَ الشِّعرَ...
فهل يتّهمُ الشّعرُ الزَّمَنْ
وهو يحيا زائفاً، أو يُمْتَحنْ!
وأنا المجنونُ وَحْدِي...
*
آهِ، يا \"أمَّ حَسَنْ\"!
ليسَ للرّوَحِ سوى الشّعرِ إذاً...